فخر الدين الرازي

426

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 225 ] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 ) في الآية مسألتان : المسألة الأولى : اللغو الساقط الذي لا يعتد به ، سواء كان كلاما أو غيره ، أما ورود هذه اللفظة في الكلام ، فيدل عليه الآية والخبر والرواية ، أما الآية فقوله تعالى : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [ القصص : 55 ] وقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً [ الواقعة : 25 ] وقوله : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ / وَالْغَوْا فِيهِ [ فصلت : 26 ] وقوله : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً [ الغاشية : 11 ] أما قوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] فيحتمل أن يكون المراد ، وإذا مروا بالكلام الذي يكون لغوا ، وأن يكون المراد ، وإذا مروا بالفعل الذي يكون لغوا . وأما الخبر فقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا » . وأما الرواية فيقال : لغا الطائر يلغو لغوا إذا صوت ، ولغو الطائر تصويته ، وأما ورود هذا اللفظ في غير الكلام ، فهو أنه يقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل : لغو ، قال جرير : يعد الناسبون بني تميم * بيوت المجد أربعة كبارا وتخرج منهم المرئي لغوا * كما ألغيت في الدية الحوارا وقال العجاج : ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم قال الفراء : اللغا ، مصدر للغيت ، واللغو مصدر للغوت ، فهذا ما يتعلق باللغة . أما المفسرون فقد ذكروا وجوها الأول : قال الشافعي رضي اللّه عنه : إنه قول العرب : لا واللّه ، وبلى واللّه ، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف ، ولو قيل لواحد منهم : سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك ، ولعله قال : لا واللّه ألف مرة والثاني : وهو قول أبي حنيفة رضي اللّه عنه : أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن فهذا هو اللغو ، وفائدة هذا الاختلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل لا واللّه وبلى واللّه ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن ، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك ومذهب الشافعي هو قول عائشة ، والشعبي ، وعكرمة ، وقول أبي حنيفة هو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، والنخعي والزهري ، وسليمان بن يسار ، وقتادة ، والسدي ، ومكحول ، حجة الشافعي رضي اللّه عنه على قوله وجوه الأول : ما روت عائشة رضي اللّه عنها عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لغو اليمين قول الرجل في كلامه كلا واللّه ، وبلى واللّه ، ولا واللّه » و روي أنه صلى اللّه عليه وسلّم مر بقوم ينتضلون ، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم ، فقال : أصبت واللّه ، ثم أخطأ ، ثم قال الذي مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم : حنث الرجل يا رسول اللّه ، فقال صلى اللّه عليه وسلّم : « كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة » وعن عائشة أنها قالت : أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب ، وأثر الصحابي في تفسير كلام اللّه حجة . الحجة الثانية : أن قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ يدل